حبيب الله الهاشمي الخوئي
16
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
الأحباب عند وداع بعضهم لبعض فقال ( والسلام عليكما سلام مودّع ) محبّ مشتاق مشفق ( لا قال ولا سئم ) أي لا مبغض لكما ولا ملول من طول صحبتكما وأوضح ذلك بقوله ( فان أنصرف ) عن زيارتكما ( فلا عن ملالة وان أقم ) أي أقمت عند ضريحكما ( فلا عن سوء ظنّ بما وعد اللَّه الصابرين ) بقوله : * ( أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) * . تذنيب ينبغي لنا أن نذكر شطرا من الأخبار فيما وقع عليها من الظلم وبكائها وحزنها وشكايتها في مرضها وكيفيّة وفاتها ودفنها صلوات اللَّه عليها ولعنة اللَّه على غاصبى حقّها وظالميها فأقول : روى في كشف الغمة عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال : البكَّاؤون خمسة : آدم ، ويعقوب ويوسف ، وفاطمة بنت محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، وعلىّ بن الحسين عليهم السّلام . فأما آدم فبكى على الجنة حتى صار في خدّيه مثل الأودية . وأما يعقوب فبكى على يوسف حتى ذهب بصره وحتى قيل له : تاللَّه تفتؤ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين . وأما يوسف فبكى على يعقوب حتّى تأذّى به أهل السّجن فقالوا : إمّا أن تبكي بالنهار وتسكت باللَّيل ، وإمّا أن تبكي اللَّيل وتسكت النّهار فصالحهم على واحد منهما . وأمّا فاطمة فبكت على رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم حتّى تأذي بها أهل المدينة فقالوا لها قد آذيتنا بكثرة بكائك فكانت تخرج إلى مقابر الشهداء فتبكى حتّى تقضى حاجتها وتنصرف . وأمّا عليّ بن الحسين فبكى على الحسين عليه السّلام عشرين سنة أو أربعين وما وضع بين يديه طعام قطَّ إلَّا بكى حتّى قال له عليه السّلام مولى له : جعلت فداك يا ابن رسول اللَّه إنّي أخاف عليك أن تكون من الهالكين قال : انّما أشكو بثّى وحزني إلى اللَّه وأعلم من اللَّه ما لا تعلمون ، إنّى لم أذكر مصرع بني فاطمة إلَّا خنقتني